عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

266

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنه أرسل إلى سائر المخلوقات ، فلهذا كان رحمة للعالمين . فإذا علمت هذا فقل على الإطلاق إن الولاية أفضل من النبوّة مطلقا في النبيّ ، ونبوّة الولاية أفضل من نبوّة التشريع ، ونبوّة التشريع أفضل من نبوّة الرسالة . واعلم أن كل رسول نبيّ تشريع وكل نبيّ تشريع نبيّ ولاية ، ونبوّة التشريع أفضل من الولي مطلقا ، ومن ثم قيل : بداية النبي نهاية الوليّ فافهم وتأمله ، فإنه قد خفي على كثير من أهل ملتنا وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . ( فصل ) : نذكر فيه أسرار ما تعبدنا للّه به على لسان نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وهي الخمس التي بني الإسلام عليها ، ثم نتبعها بذكر أسرار الإيمان ، ونوضح أسرار المعاني التي جعلها اللّه في مقام الصلاح من دوام العبادة خوفا ورجاء ، ثم نومىء إلى أسرار المقامات السبعة المذكورة في الإحسان ، وهي التوبة والإنابة والزهد والتوكل والرضا والتفويض والإخلاص ، ونذكر طرفا من مقامات الشهادة ونومىء إلى شيء من علامات صاحب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين ، ونأتي بجمل مفصحة عن غرائب مقام الخلة والحبّ والختام والعبودية ، وكل ذلك عن طريق الإجمال والاختصار ، ولو أردنا تفصيل ذلك على طريق الإطناب احتجنا إلى مجلدات كثيرة ولسنا بصدد ذلك ، فأول ما نذكر سرّ كلمة الشهادة . اعلم أنه لما كان الوجود منقسما بين خلق حكمه السلب والانعدام والفناء ، وحق حكمه الإيجاد والوجود والبقاء ، كانت كلمة الشهادة مبنية على سلب وهي لا ، وإيجاب وهي إلا ، معناه لا وجود لشيء إلا اللّه ، ولفظ إله في قوله : لا إله يراد به تلك الأوثان التي يعبدونها ، سماها اللّه تعالى إلها كما سموها موافقة لهم لسرّ وجوده في أعيانها ، فهي بوجوده آلهة حقا ، فكل معبود منها بظهور الحق في عينه إله ، لأنه تعالى عينها وهو اللّه حيثما ظهر مستحق الألوهية ، ثمّ إفراد الجميع في الاستثناء بقوله إلا اللّه ، يعني ليست تلك الآلهة إلا اللّه فلا تعبدوا إلا اللّه على الإطلاق من غير تقييد بجهة ، فإنه كل الجهات ، فما في الوجود شيء إلا اللّه تعالى ، فهو تعالى عين جميع الموجودات ، ولما كان هذا الأمر موقوفا على الشهود والكشف قرنت به لفظة الشهادة ، فقيل أشهد بمعنى أنظر بعيني شهودا أن لا في الوجود شيء إلا اللّه ، وهنا أبحاث كثيرة في الاستثناء ، هل هو متصل أو منقطع ؟ وهل الآلهة المنفية آلهة حق أم آلهة بطلان ؟ وعدم إفادة المعنى فيما لو كانت بطلانا مع عدم جوازه فيما لو كانت حقا ، وكيف وجه الجميع والوفاق ومسائل شتى ، ولكل منها أجوبة قاطعة وبراهين ساطعة فافهم .